بعد 3 شهور طه خميس
بعد 3 شهور من الطلاق، رنّ عليا تليفون حماتي السابقة. أول ما رديت، صرخت في وشي
إلحقي بسرعة! أحمد في الطوارئ! هاتي خمسين ألف جنيه كاش وتعالي حالًا!
ابتسمت بسخرية. أحمد بقى طليقي، وما بقاش يخصني في حاجة.
رديت بهدوء هو مش جوزي يا أم أحمد... بقى مسؤوليتك إنتِ.
اتجننت وهي بتزعق يا شيخة يا عديمة الضمير! أحمد عمل حادثة بشعة، ولو الفلوس ما وصلتش دلوقتي هيموت على ترابيزة العمليات! مندوب الدكتور مستني الفلوس في البيت، ولو اتأخرتي يبقى دمه في رقبتك!
سكت لحظة، لكن دماغي كانت شغالة.
أنا شغلي محاسبة جنائية، ومتعودة أحلل أي موقف بعقل قبل ما أصدق أي كلمة.
أول حاجة أي مستشفى محترمة بتستقبل حالة طوارئ وتعالجها الأول، ومحدش بيطلب فلوس قبل العملية.
ثاني حاجة إيه اللي يجيب مندوب الدكتور يستنى الفلوس في بيتها؟
واضحة جدًا...
مافيش حادثة أصلًا.
أحمد غالبًا غرقان في ديونه بسبب القمار، وقرر هو وأمه يمثلوا عليّ علشان يطلعوا مني الفلوس.
كانوا فاكرين إني لسه الست المكسورة اللي كانت بتعيط بعد ما فقدت ولادي، وإنهم يقدروا يلعبوا على مشاعري.
لكن المرة دي كانوا غلطانين.
قلت لها وأنا عاملة إني مترددة خمسين ألف مبلغ كبير، خصوصًا بالليل...
ردت بسرعة إحنا عارفين إن الفلوس عندك في الخزنة! بلاش تضيعي وقت، حياة أحمد في خطر!
تنهدت وقلت بهدوء خليه يستنى... هكون عندكم بعد نص ساعة.
قفلت المكالمة، واتجهت ناحية الخزنة اللي ببصمة الإصبع.
أي حد كان هيفتكر إني رايحة أطلع الفلوس.
لكن الحقيقة إني دخلت أوضة المكتب.
عديت جنب الملفات، وركعت قدام خزنة حديد متثبتة في الأرض.
حطيت صباعي على جهاز البصمة، وسمعت صوت القفل وهو بيتفتح.
الخزنة... ماكانش فيها خمسين ألف جنيه.
كان فيها معدات خاصة احتفظت بيها على مدار سنين شغلي في كشف عمليات النصب وتتبع الأموال واسترجاع الأصول.
مديت إيدي وطلعت حاجتين.
الأولى كانت سلسلة فضة بسيطة، لكن جواها كاميرا صغيرة جدًا بتصور بدقة عالية، محدش يقدر يلاحظها.
والتانية كانت رزمة فلوس مزيفة متقنة لدرجة إنها شبه الحقيقية تمامًا، من النوع اللي بيتستخدم في تصوير الأفلام.
لكن اللي كان يهمني مش الفلوس المزيفة نفسها...
اللي كان يهمني هو الحاجة اللي كنت ناوية أخبيها جواها.
مررت صوابعي على أطراف الرزمة وابتسمت وأنا بقول لنفسي
يلا يا أحمد... نشوف بقى أنت فعلًا بين الحياة والموت... ولا بتكمل تمثيل.
نزلت من البيت والهدوء بيحاوطني، بس جوايا كان فيه إعصار من التحدي. ركبت عربيتي وتحركت، وقبل ما أوصل بمسافة قريبة، ركنت على جنب وطلعت لابتوب صغير من شنطتي. فتحت برنامج تتبع مربوط ب جهاز تتبع متناهي الصغر GPS Bug كنت لزقته ببراعة بين رزم الفلوس المزيفة.
شغلت الكاميرا المخفية اللي في السلسلة الفضة، علقتها في رقبتي، وأخدت نفس عميق. نزلت ودخلت العمارة.
فتحت لي حماتي السابقة، وشها كان متبهدل دموع تمثيلية متقنة، وأول ما شافتني صرخت أخيرًا جيتي؟! الفلوس فين؟ مندوب الدكتور هيمشي!
دخلت الصالة، ولمحت المندوب قاعد. شاب لابس قميص وبنطلون، بس نظراته وعينيه اللي بتلف في المكان وعصبيته المفرطة ما تقولش أبدًا إنه شغال في مستشفى. دي نظرات دائن بيطارد مدين!
رميت شنطة الفلوس على التربيزة ببرود وقلت دي الخمسين ألف. بس مش هتاخدهم إلا لما تديني اسم المستشفى ورقم غسيل العمليات عشان أروح لأحمد.
المندوب خطف الشنطة بسرعة وفتحها، شاف رزم الفلوس والواجهة الحقيقية المتقنة، عينيه لمعت وجري على الباب وهو بيقول مستشفى الأمل.. في الدقي! ونزل جري.
حماتي السابقة بدأت تلطم وتصوت أنا هحصله.. اركبي معايا!
قلت لها بابتسامة مستفزة لا.. أنا هسبقك بسيارتي.
نزلت، وبدل ما أطلع على الدقي، قعدت في عربيتي وفتحت اللابتوب. ال GPS كان بيتحرك بسرعة جنونية.. والمفاجأة؟ ما اتجهش ناحية الدقي خالص. كان بيتحرك في اتجاه منطقة عشوائية في أطراف القاهرة!
المندوب ما كانش مندوب دكتور.. ده كان المُحصل بتاع تاجر قمار كبير!
تابعت الإشارة لحد ما وقفت تمامًا عند شقة مفروشة مشبوهة. شغلت برنامج اختراق شبكات بحكم شغلي في المحاسبة الجنائية وتتبع الأموال، عندي أدوات بتلقط موجات الوايفاي القريبة وتفتح الثغرات. وصلت للمكان، وركنت بعيد.
استخدمت جهاز تنصت صوتي موجه Directional Mic ووجهته ناحية شباك الشقة اللي واقفة عندها الإشارة. ركبت السماعات في ودني، وهنا ظهرت الحقيقة كاملة بصوت أحمد!
أحمد كان بيضحك بهستيريا ويقول أمي دي عبقرية! جابت لك الفلوس في نص ساعة! قولت لك المحاسبة دي معاها قرشين وشايلالهم في الخزنة، ولسه هعصرها في المؤخر ونفقة المتعة اللي رافعاهم عليا!
صوت المحصل رد بحدة عد الفلوس دي بسرعة عشان أقفل حسابك يا أحمد، إنت معلم كبير في الخسارة!
كنت بسجل كل كلمة.. كل ضحكة.. كل اعتراف بالنصب والابتزاز، وصوت عد الفلوس!
فجأة، الصوت اتغير.. المحصل صرخ إيه ده؟! ورق سينما؟! إنت بتشتغلني يا أحمد؟! دي فلوس مزورة!
أحمد صرخ برعب والله ما أعرف! هي اللي جابتها!
في اللحظة دي، وقبل ما الخناقة تقلب بدم بينهم، كنت أخدت خطوتي الاستباقية. كلمت زميل ليا في مباحث الأموال العامة، وبعت له اللوكيشن والتسجيل الصوتي الحي.
خلال 10 دقائق بالظبط، حاصرت البوكسات المكان. نزلت من عربيتي بكل ثقة، ووقفت تحت البيت وأنا شامة ريحة انتصاري.
الشرطة كبست على الشقة، ونزلوا أحمد والمحصل مكلبشين. أحمد كان وشه أزرق من الرعب، وأول ما شافني واقفة وساندة على عربيتي وببتسم، عينه طلعت شرار وصرخ إنتِ؟! إنتِ اللي عملتي كده؟!
قلت له ببرود تام تزوير، قمار، بلاغ كاذب، وابتزاز.. المحاسبة الجنائية ما بتهزرش يا أحمد. إنت وأمك كنتوا فاكرين إني لسه الست المكسورة اللي بتعيط على ولادها اللي ربنا افتكرهم.. بس نسيتوا إن اللي يكسرني، بفرمه بالقانون.
ثاني يوم الصبح، حماتي السابقة كانت قاعدة في النيابة بتعيط بجد المرة دي وهي بتتحقق معاها بتهمة الاشتراك في النصب والاحتيال، وأحمد لابس البدلة البيضا ومحبوس على ذمة القضية، والفلوس المزورة والتسجيلات كانت الحبل اللي اتلف حوالين رقبتهم.
قفلت باب عربيتي، لبست نظارتي الشمسية، واتحركت وأنا حاسة بنقاء ملوش مثيل. القضية اتقفلت، وحياتي القديمة اتفرمت تحت عجل عربيتي، وبدأت صفحة جديدة.. نضيفة تمامًا.