متلازمه داون طه خميس

لمحة نيوز

"والد مصاب بمتلازمة داون... ربّى ابنته وحده حتى أصبحت طبيبة."
تخيل أن الجميع يحكم عليك بالفشل... فقط لأنك مختلف.
لن أنسى أبدًا ذلك اليوم الذي سمعت فيه همسات الناس من حولي.
كانوا يظنون أنني لن أسمعهم، لكن كلماتهم وصلت إلى قلبي بوضوح.
"رجل مثله... كيف سيتمكن من تربية طفلة؟ أي مستقبل يمكن أن يمنحه لها؟"
كنت وقتها أحمل طفلتي الصغيرة بين ذراعي، أتأمل أصابعها وهي تتحرك برقة، وكأنها بدأت تكتب قدرها منذ اللحظة الأولى.
اسمي ماتيو، وأنا مصاب بمتلازمة داون.
قد لا أكون أفهم في الطب أو القانون أو الأمور المعقدة، لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد... هذه الطفلة أصبحت مسؤوليتي، وسعادتي، والسبب الذي سأقاوم من أجله كل يوم.
عندما بلغت عامها الثاني، رحلت والدتها وتركتها معي.
قالت إنها لا تستطيع تحمل المسؤولية.
لم أكرهها يومًا... فالحياة أحيانًا تُخيف الناس أكثر مما يعترفون.
وهكذا أصبحت أنا وسوفي وحدنا في مواجهة العالم.
كانت سنواتنا الأولى مليئة بالفوضى... لكنها كانت مليئة بالحب أيضًا.
كنت أقرأ وصفات الطعام أكثر من مرة حتى لا أخلط بين الملح والسكر... ومع ذلك كنت أخطئ أحيانًا.
فتتذوق الطعام وتبتسم قائلة:
"بابا... طعمه غريب!"
فأرد ضاحكًا:
"دي وصفة جديدة... بنجرب."
فتنفجر ضاحكة وهي تعرف أنني أحرقت العشاء مرة أخرى.
ورغم كل شيء... لم تكن تخجل مني أبدًا.
بل كانت دائمًا تدافع عني أمام الجميع.
لكن ما حدث بعد ذلك... هو ما لم يتوقعه أحد.
وفي الجزء القادم ستكتشف كيف تحولت كلمات السخرية التي طاردت هذا الأب طوال حياته... إلى دموع فخر يوم أصبحت ابنته طبيبة يشهد لها الجميع.

كبرت سوفي، ومع كل سنة كانت تمر، كانت نظرات الناس تتغير من الشفقة والتهكم إلى الذهول. لم تكن طفلة عادية؛ كانت تملك ذكاءً حادًا وإصرارًا يشبه الفولاذ، إصرارًا استمدته من ذلك الرجل الذي كان يقضي الليل بطوله ينسخ لها دروسها بخطه البطيء لكي يساعدها على المذاكرة.
عندما وصلت سوفي إلى مرحلة الثانوية العامة، واجهنا التحدي الأكبر. لم نكن نملك المال للدروس الخصوصية، وكنت أعمل في تنظيف أحد المشافي المحلية لأوفر لها الكتب. في أحد الأيام، دخلتُ غرفتها ووجدتها تبكي بحرقة فوق كتاب الأحياء.
ارتبكتُ، وجلستُ بجانبها، وقلت بلعثمتي المعتادة: *"سوفي... بابا هنا. هل أنا السبب؟ هل تقصيري هو ما يبكيكِ؟"*
نظرت إليّ وعيناها حمراوان، وقالت كلمات غيرت مجرى حياتنا: *"بالعكس يا أبي. أنا أبكي لأنني أدرس عن الخلايا والجينات... وأرى كم أنت معجزة! الناس يظنون أن الكروموسوم الزائد يجعلك أقل، وأنا أرى أنه زادك حبًا ونقاءً لا يملكه أحد. أعدك يا أبي، سأصبح طبيبة، ليس لأثبت لهم أنهم أخطأوا، بل لأثبت للعالم أنك أعظم أب."*
### **نقطة التحول: الليلة التي غيرت كل شيء**
في السنة الأخيرة لها في كلية الطب، حدث ما لم يكن في الحسبان. كنت في المشفى أمارس عملي المعتاد في تنظيف الممرات، وكانت سوفي تقضي فترة تدريبها (الامتياز) في نفس المشفى ولكن في قسم الطوارئ.
فجأة، ساد الهرج والمرج. أُدخل رجل مسن إلى الطوارئ في حالة حرجة جداً إثر أزمة قلبية حادة وفشل تنفسي. كان الأطباء يتشاورون بسرعة والتوتر سيد الموقف. لفت انتباهي وجه الرجل المستلقي على السرير... لم أخطئه أبدًا رغم مرور السنين. إنه "العم إدوارد"، الجار القديم الذي كان يقف في الحي ويقول للناس بصوت عالٍ: *"هذا المعتوه سيضيع الطفلة، يجب أن تأخذها الشؤون الاجتماعية منه"*.
تراجعتُ إلى الخلف خوفًا وارتجفت يداي. في تلك اللحظة، تقدمت طبيبة شابة، ثابتة الخطى، وطلب منها رئيس القسم إدارة الحالة فورًا لسرعة بديهتها. كانت **الدكتورة سوفي**.
وقفتْ أمام الرجل الذي طالما سخر من والدها. لم تتردد لثانية واحدة. بدأت بإصدار الأوامر الطبية بدقة متناهية، أجرت عملية إنعاش قلبي رئوي متقدم، وصدمات كهربائية، وعيناها تشعان بالتركيز. كنت أراقب من بعيد والدموع تنهمر من عيني، أدعو الله أن ينجح بين يديها.
بعد نصف ساعة من الصراع بين الحياة الموت، استقر نبض الرجل. التفت رئيس القسم إلى سوفي وقال أمام جميع الأطباء والممرضين: *"أحسنتِ يا دكتورة سوفي، لقد أنقذتِ حياته بمعجزة. أنتِ فخر لهذا المشفى"*.
### **يوم التخرج: الدموع التي غسلت السنين**
جاء اليوم المنتظر، حفل تخرج الدفعة وتأدية القسم الطبي. قاعة الاحتفالات الكبرى كانت تغص بالأهالي والشخصيات المرموقة. كنت أجلس في الصف الأخير، مرتديًا بدلة قديمة اشتريتها من سوق المستعمل، محاولاً ألا ألفت الأنظار، فما زلت أخشى أن يرى زملاؤها والديها المصاب بمتلازمة داون فيخجلوا منها.
صعد عميد الكلية إلى المنصة وقال: *"والآن، مع كلمة الأولى على الدفعة، والطبيبة التي نالت وسام الشجاعة المهنية لإسهاماتها في الطوارئ... الدكتورة سوفي"*.
ضجت القاعة بالتصفيق. صعدت سوفي بالرداء الأبيض وقبعة التخرج. بدأت حديثها بشكر الأساتذة، ثم صمتت قليلاً، ونظرت إلى الحشود وقالت عبر الميكروفون:
> *"نجاحي اليوم ليس معجزة علمية، بل هو معجزة إنسانية. هناك شخص في هذه القاعة، تحدى الطب، وتحدى المجتمع، وتحدى نظرات السخرية ليصنع مني ما أنا عليه الآن. شخص أخطأ كثيرًا في الملح والسكر وهو يطبخ لي، لكنه لم يخطئ مرة واحدة في إعطائي الحب والأمان."*
> 
ساد الصمت القاعة. تابعت وعيناها تلمعان:
*"أبي... ماتيو... أين أنت؟ قف ليرى العالم من هو البطل الحقيقي."*
تسمرتُ في مكاني، وشعرت بأنني لا أستطيع الحركة. لكن الناس حولي بدؤوا يلتفتون، وعندما رأوني، بدأت القاعة كلها تقف صفًا تلو الآخر. التفت إليّ عميد الكلية والأطباء، وصفق الجميع بحرارة وهتاف هز جدران المكان.
نزلت سوفي من المنصة، وركضت عبر الممر الطويل بين المقاعد، غير مبالية ببروتوكولات الحفل، وارتمت في حضني وهي تبكي وتقول: *"فعلناها يا أبي... لقد أصبحنا طبيبين اليوم، أنت بقلبك وأنا بشهادتي"*.
### **النهاية**
اليوم، أعيش مع ابنتي في بيتها الجديد. لم أعد أنظف الملايات في المشفى، بل أصبحت ضيف الشرف الدائم في كل مؤتمر طبي تحضره.
الناس الذين كانوا يهمسون بسخرية في الماضي، يمرون بنا اليوم في الشارع، فينحنون احترامًا، ويقولون لأولادهم: *"انظروا... هذا هو الرجل الذي هزأنا به يوماً، فلقننا درسًا في الحياة لن ننساه أبدًا"*.
أنا ماتيو، مصاب بمتلازمة داون، واليوم أستطيع أن أقول للعالم بكل ثقة: **لقد ربحت الرهان.**
 

تم نسخ الرابط