بعد خمسين سنه جواز

لمحة نيوز

بعد خمسين سنة جواز، جوزي إداني كارت بنك فيه 100 ألف جنيه قبل ما يسيبني ولما استخدمته أخيرًا قبل العملية، اكتشفت إنه كان مخبي عني آخر سر.
من خمس سنين، جوزي حسن جمع هدومه في شنطتين وساب البيت عشان واحدة أصغر مني بسنين.
وده بعد عمر كامل عشناه سوا! خمسين سنة جواز، تلات عيال، وسبعة أحفاد.
قبل ما يقفل الباب ويمشي، حط كارت بنك جنب كباية الشاي القديمة بتاعتي وقال من غير ما يبصلي
فيه 100 ألف جنيه خليهم لأي ظرف.
وقتها حسيت إن كل السنين اللي عشناها الأكل اللي كنت بعمله، التعب، الفواتير، ولمّة الجمعة طلع تمنهم مجرد كارت بلاستيك.
عشان كده ما استخدمتوش أبدًا.
لكن الشهر اللي فات، الدكتور بصلي بنظرة كلها قلق وقال
لازم تعملي عملية قلب بسرعة يا مدام سامية الموضوع ما يستحملش تأجيل.
قررت ما أقلقش ولادي وأتصرف لوحدي.
ما كنتش عايزة حد يشوفني ست كبيرة ووحيدة ومستنية المساعدة.
الخميس اللي فات، لبست هدومي القديمة بتاعة الخروج وركبت أتوبيس لحد البنك.
ولما جه دوري، ناولت الموظفة الكارت وقلت بهدوء
عايزة أسحب المبلغ اللي فيه.
البنت ابتسمت في الأول وهي بتكتب على الكمبيوتر لكن بعدها ملامحها اتغيرت فجأة.
وقفت شوية وبعدين كتبت تاني بس المرة دي ببطء.
قلبت الكارت، بصّت على البطاقة بتاعتي، ورجعت تبص للشاشة كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
وبصوت متردد سألتني
ممكن تأكدي اسمك بالكامل يا فندم؟
قلبي بدأ يدق بسرعة، لكني قلتلها اسمي.
وحاولت أوضح بهدوء
جوزي السابق إداني الكارت ده من سنين.
الموظفة بلعت ريقها وقالت بسرعة
لحظة

واحدة يا فندم لازم أنادي مدير الفرع.
مش فاهمة إزاي محدش اتواصل معاكي لحد دلوقتي.
إيدي مسكت طرف الرخامة قدامي بقوة.
افتكرت إن حسن حتى بعد ما سابني لسه عارف يوجعني بطريقة جديدة.
بعد دقيقة، مدير الفرع خرج من مكتبه وماسك ظرف مقفول.
وعلى الظرف كان خط حسن المايل اللي أعرفه كويس.
وقف قدامي وقال بصوت واطي
يا مدام سامية إحنا بقالنا خمس سنين مستنيين نسلمك الظرف ده.
المدير مدّ إيده بالظرف ناحيتي، لكن صوابعي كانت بتترعش لدرجة إني معرفتش آخده في الأول.
بصّلي بنظرة فيها شفقة وقال اتفضلي اقعدي يا مدام سامية لأن اللي هتقرّيه مش سهل.
قعدت على الكرسي كأني ست عجوز اتسحب منها آخر خيط قوة. فتحت الظرف ببطء ولأول مرة من خمس سنين، شفت خط حسن قدامي تاني.
سامية
لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا غالبًا مشيت خلاص أو الوقت سبقني.
أنا عارف إنك كرهتيني يوم ما سبت البيت. وعارف إنك اعتبرتي الخمسين سنة اللي عاشيناهم سوا انتهوا بكارت بنك ورجل عجوز جري ورا شبابه الضايع.
بس الحقيقة أنا ما سبتكيش عشان واحدة أصغر. أنا سبتك عشان أموت لوحدي.
وقفت القراءة فجأة. حاسّة إن الحروف بتغرز في صدري.
رفعت عيني للمدير يعني إيه؟
الراجل تنهد وقال الأستاذ حسن كان بييجي هنا كل شهر تقريبًا وكان متابع الحساب بنفسه لحد آخر يوم.
آخر يوم؟!
همست وأنا حاسة الدنيا بتلف حسن مات؟
المدير هز راسه بهدوء من أربع سنين يا مدام سامية.
في اللحظة دي حسيت إن البنك كله سكت. حتى صوت التكييف اختفى.
أربع سنين؟! يعني أنا كنت فاكرة إنه عايش حياته مع ست تانية وهو
كان ميت؟!
رجعت بسرعة للجواب.
فاكرة اليوم اللي رجعت فيه من المستشفى وأنا مخبي التحاليل؟ ما قلتلكيش الحقيقة وقتها. الدكتور قاللي إن عندي سرطان في البنكرياس وإن قدامي شهور قليلة.
بصيتلك يومها وشوفتك بتعملي شاي وبتضحكي للحفيد الصغير. عرفت إني لو قلتلك، هتموتي بالحزن قبلي.
وأكتر حاجة كانت هتقتلني إني أشوفك بتغسّليني وتساعديني أدخل الحمام بعد
ما طول عمري كنت سندك.
أنا أناني يا سامية كنت عايزك تكرهيني. الكراهية أهون من الشفقة.
دموعي نزلت على الورقة.
افتكرت يومها فعلًا لما رجع متأخر وسهر طول الليل في البلكونة. افتكرت إنه كان بيهرب مني. لكن يمكن كان بيهرب من موته.
كمّلت وأنا حرفيًا مش شايفة من العياط.
الست اللي قلتي عليها؟ ما كانتش عشيقتي. دي كانت ممرضة اسمها هالة. هي اللي كانت بتاخدني جلسات العلاج. ولما تعبت أكتر، نقلت عند أخوها عشان محدش يعرف أنا مين.
حتى ولادنا ما يعرفوش الحقيقة. خليتهم يكرهوني أنا ولا يشوفوا أبوهم بيتكسر حتة حتة.
أما الكارت فده ما كانش فيه 100 ألف بس.
أنا بعت الأرض اللي ورثتها من أبويا، وحطيت كل حاجة باسمك. الحساب فيه مليون وستمائة ألف جنيه.
وفيه طلب أخير.
أرجوكي اعملي العملية.
شهقت بصوت عالي لدرجة إن الموظفة جريت ناحيتي تسألني إذا كنت بخير.
لكن ما كنتش سامعاها.
كنت شايفة حسن قدامي واقف بالمنديل القديم حوالين رقبته وهو بيصلح الحنفية. وهو بيجري ورا العيال في العيد. وهو بيصحيني الفجر عشان نصلي. وهو بيقولي طول عمره أنا لو تعبت يوم أوعي تشوفيني ضعيف.
يا غبي يا غبي ليه
عملت كده؟!
فضلت أبكي في البنك كأني بنت صغيرة ضاعت منها الدنيا.
المدير مدّلي منديل وقال الأستاذ حسن كان موصينا بحاجة كمان.
فتح درج صغير وطلع مفتاح.
قال نسلمهولك مع الجواب.
بصيتله باستغراب مفتاح إيه ده؟
قال شقة في إسكندرية.
اتجمدت مكاني.
شقة؟!
كان مأجرها باسمه آخر سنتين في حياته وكان بيكتب فيها حاجة كل يوم تقريبًا.
بعد يومين رحت إسكندرية.
البحر كان هادي بشكل غريب. والعمارة قديمة، لونها أصفر باهت.
طلعت الدور الرابع وفتحت الباب بالمفتاح.
ريحة حسن كانت لسه هناك.
ريحة القهوة السادة والصابون الرخيص.
الشقة صغيرة سرير، ترابيزة، وكرسي جنب الشباك.
وعلى الترابيزة لقيت ٤ دفاتر.
كل دفتر عليه سنة.
فتحت أول واحد.
اليوم سامية كملت شهر من غير ما تكلمني. الحمد لله بدأت تكرهني فعلًا. يمكن ده هيسهل عليها موتي.
وفي صفحة تانية
شوفتها النهارده بالصدفة في السوق. استخبيت ورا عربية خضار زي العيال. كانت أرفع شوية بس لسه حلوة.
وفي آخر دفتر
لقيت آخر سطر كتبه قبل ما يموت بيوم.
بكرا العملية الأخيرة. حاسس إني مش راجع. بس مرتاح عشان سامية عمرها ما هتشوفني ضعيف.
ولو ربنا كان كريم معايا يمكن تسامحني بعد ما أمشي.
ما قدرتش أكمل.
حضنت الدفتر لصدري وبكيت بصوت البحر.
بعد أسبوع عملت العملية.
ولما فوقت من البنج أول حاجة طلبتها من بنتي كانت الدفاتر.
بقيت أقرأ صفحة كل ليلة.
وأحيانًا أضحك.
وأحيانًا أزعق فيه وأنا لوحدي كنت قولّي يا حسن كنت هشيلك في عيني.
بس الحقيقة اللي عمري ما قلتها لحد
إني كل ليلة، قبل ما أنام، بحط الدفتر
جنبي على السرير وأسيب مكان فاضي كأنه لسه نايم جمبي.
لأن بعد خمسين سنة جواز
حتى الغياب، بيبقى له صوت.

تم نسخ الرابط