يوم عيد ميلادي

لمحة نيوز

دخل أبويا المطبخ صباح يوم عيد ميلادي واتجمد مكانه.
ما بصّش على التورتة الأول.
ولا بصّ على الزينة.
بصّ على وشي.
الكدمة البنفسجي اللي على خدي.
الجرح اللي في شفايفي.
وآثار صوابعه على دراعي اللي ولا أي ميكب رخيص قدر يخبيها.
ساعتها سأل بصوت واطي جدًا
يا بنتي مين اللي عمل فيكي كده؟
قبل ما أقدر أنطق بحرف، جوزي ابتسم.
مش ابتسامة توتر.
ولا ابتسامة ندم.
ابتسامة كلها غرور.
وقال سامح وهو متكئ على الكرسي وماسك فنجان القهوة أنا. بدل ما أقولها كل سنة وإنتِ طيبة اديتها بالقلم.
المطبخ كله سكت.
كنت واقفة جنب السفرة، لابسة الفستان البيج اللي أمي جابتهولي، وبحاول أتماسك بابتسامة اختفت من وشي من بدري.
يومها كنت بتم ٣٢ سنة.
بس الصبح ده حسّيت إني كبرت عمر كامل.
حماتي، سناء، كانت لسه بتقطع تورتة التلات لبن اللي أبويا جابها من فرن الحارة.
حتى ما بصّتشلي.
وقالت وهي مكملة تقطيع ما تكبريش الموضوع. كل البيوت فيها مشاكل.
جوزي ضحك باستهزاء.
وقال امبارح قعدت تعيط عشان نسيت عيد ميلادها فاضطريت أربيها.
أبويا ما صرخش.
ما شتمش.
ما جريش عليه.
وده كان أكتر شيء خوفني.
كل اللي عمله إنه حط علبة التورتة على الرخامة، وبصّ لسامح، وبعدها فك ساعته الفضة بالراحة الساعة اللي عمره ما خلعها من يوم ما كان شغال ميكانيكي.
وحطها جنب التورتة.
صوت خفيف خبط في الرخامة.
قلبي اتقبض.
أبويا شمّر كم القميص.
وقال بصوت هادي بشكل مرعب يا لمياء اطلعي بره.
قلت بخوف يا بابا
رد من غير ما يرفع صوته اطلعي يا حبيبتي.
رجلي كانت

بتترعش وأنا بنفذ كلامه.
ومن ورا الباب الإزاز، شفت سامح وهو بيقوم من مكانه بنفس الابتسامة المتعجرفة اللي دايمًا بيعملها لما يحس إن ليه سلطة على أي حد.
وقال بسخرية مالك يا حاج؟ هتديني محاضرة تربية يعني؟
لكن فجأة كل حاجة اتغيرت.
وش حماتي شحب مرة واحدة.
السكينة وقعت من إيدها على الطبق بصوت عالي.
بعدت عن أبويا وهي بتهمس بخوف لا يا عم حسن بالله عليك إنت ما تعرفش كل حاجة
أبويا خد خطوة ناحية سامح.
ولأول مرة من خمس سنين جواز
شفت الخوف الحقيقي في عيني جوزي.
وساعتها أدركت إن عيد الميلاد ده مش هيخلص بشمع وتورتة.
هيخلص بالحقيقة.
وحقيقة عمري ما كنت أتخيلها.
خرجت وأنا حاسة إن نفسي بيتسحب مني إيدي على بقي، وقلبي بيدق بعنف، ووداني بتلقط أي صوت من جوا المطبخ.
ثواني وسمعت الكرسي وهو بيتزق بعنف.
سامح قال بصوت عالي إوعى تلمسني يا راجل إنت!
وبعدين صوت خبط جامد.
حماتي صرخت حرام عليك يا عم حسن!
كنت هاجري أدخل، لكن أمي مسكت دراعي بسرعة. وشها كان أصفر، وعينيها مليانة رعب قديم الرعب اللي الستات الكبيرة بتتعلم تخبيه سنين.
همستلي ما تدخليش.
قلت بانهيار بابا هيقتله!
بصتلي أمي بنظرة عمري ما هنساها. وقالت لو كان عايز يقتله كان عملها من زمان.
الكلمة وقفتني.
من زمان؟
يعني إيه من زمان؟
وفجأة باب المطبخ اتفتح بعنف.
سامح خرج وهو بيرجع لورا، وشه متغير تمامًا. الغرور اختفى. واللون راح من وشه.
وأبويا خرج وراه بهدوء غريب الهدوء اللي يسبق الكارثة.
قال أبويا قولها.
سامح بلع ريقه. وبص ناحية أمه.
لكن
عم حسن زعق لأول مرة قول الحقيقة قبل ما أقولها أنا.
حماتي بدأت تعيط كفاية بقى بعد السنين دي كلها كفاية!
قلبي وقع.
سامح بصلي ولأول مرة شفته ضعيف.
وقال بصوت مهزوز أبوكِ كان شغال مع أبويا زمان.
أبويا رد ببرود كمّل.
سامح أخد نفس طويل وقال وأبويا مات بسبب غلطة.
أمي غمضت عينيها. وأنا بقيت أبص بينهم بعدم فهم.
سامح كمل المكنة انفجرت في الورشة وأبوكِ حاول ينقذه لكنه ما لحقوش.
أبويا قال بصوت مكسور لأول مرة وأنا شلت أمك إنت من الشارع بعد الجنازة لأن ما كانش عندكم تاكلوا.
اتجمدت مكاني.
إيه؟
حماتي انهارت على الكرسي وهي بتعيط هو اللي صرف عليك يا سامح! هو اللي دفع مصاريف مدرستك! هو اللي وقف جنبنا لما الناس كلها اختفت!
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
بصيت لجوزي بعدم استيعاب.
سامح نزل عينيه في الأرض.
أبويا قرب منه خطوة وقال أنا ربيتك زي ابني وفي الآخر تمد إيدك على بنتي؟
الصمت كان قاتل.
أبويا كمل كنت فاكر إني لما أجوّزك لمياء أبقى بأمّن مستقبلها مع راجل أعرف أصله لكن اللي ما خدش التربية ما ينفعش معاه المعروف.
سامح حاول يتكلم أنا كنت متعصب
لكن أبويا قاطعه بعنف الراجل اللي يضرب مراته مش راجل.
الكلمة نزلت زي السكينة.
أنا كنت واقفة بعيط بصمت. مش بس من الضرب من الصدمة.
الإنسان اللي أبويا اعتبره ابن هو نفسه اللي كسرني كل يوم.
حماتي قامت فجأة، ومسكت إيد أبويا وهي بتبكي سامحه عشان خاطري
لكن أبويا سحب إيده بهدوء وقال أنا مش ربنا عشان أسامح في حق مش حقي.
وبعدين بصلي.
النظرة دي كانت أول مرة أحس
إني لسه بنته فعلًا، وإنه شايف وجعي كله.
قال لمياء جهزي شنطتك.
سامح رفع راسه بسرعة إنت هتاخدها مني؟!
أبويا بصله باحتقار منك؟ دي عمرها ما كانت ملكك.
سامح قرب مني بعصبية إنتِ مش هتمشي.
لكن قبل ما يلمسني أبويا مسك إيده بعنف.
ولأول مرة سامح اتوجع فعلًا.
أبويا قرب منه وقال بصوت واطي بص يا ابني أنا استحملت قلة أصلك عشان خاطر العيش والملح القديم لكن من اللحظة اللي شوفت فيها العلامات على وش بنتي، انتهى كل شيء.
وبعدين طلّع من جيبه ظرف قديم متبهدل.
ورماه على الترابيزة.
وقال تعرف ده إيه؟
سامح سكت.
أبويا فتح الظرف وطلع صور.
صوري أنا.
صور للكدمات القديمة. صور لشفايفي المتعورة. صور لدراعي.
حسيت الدم اتجمد في عروقي.
صرخت إيه ده؟!
أبويا بصلي بحزن كنتِ فاكرة إني مش واخد بالي؟
دموعي نزلت أكتر.
قال كل مرة كنتِ تيجي وتقولي وقعتي كنت بصور الإصابات بعد ما تنامي.
سامح بدأ يتوتر إنت بتعمل إيه يعني؟
أبويا ابتسم لأول مرة بس كانت ابتسامة مرعبة.
وقال بجهز.
وبعدين فتح الظرف التاني.
وكان فيه تقارير طبية. وتسجيلات. وصور من كاميرات العمارة.
حتى صوت سامح وهو بيزعقلي ويضربني.
حماتي شهقت يا نهار أبيض
أبويا قال بمنتهى الهدوء أنا قضيت خمس سنين ساكت مش ضعف. كنت بستنى اللحظة اللي بنتي نفسها تبطل تخاف.
بصلي مباشرة.
وقال والنهارده خلاص.
سامح بدأ يصرخ إنتو مش هتعرفوا تعملوا حاجة!
لكن في نفس اللحظة خبط على باب الشقة.
ثلاث خبطات تقيلة.
وأبويا قال من غير ما يبص اتفضلوا.
الباب اتفتح ودخل ظابطين.
سامح اتجمد.

وأنا شهقت بابا؟
أبويا لبس ساعته الفضة تاني بهدوء وبص لسامح نظرة النهاية.
وقال عيد ميلاد سعيد يا بنتي.
النهارده رجعنا كرامتك.

تم نسخ الرابط