بعد ما ولدت
بعد ما ولّدت بساعات، جوزي بصّلي وقال بمنتهى البرود: “ارجعي البيت بالمواصلات… أنا خارج مع أهلي ناكل في مطعم.”
الممرضة كانت لسه حاطة ابني في حضني، ولسه حاسة بألمه وأنفاسي متلخبطة، وهو أول حاجة عملها إنه بص في موبايله.
افتكرت إني سمعته غلط.
قلت له بصوت مرهق: “إيه؟”
حماتي، “مدام ناهد”، عدّلت الإسوارة الدهب اللي في إيدها وقالت بضيق: “يا كلير، بلاش تعملي مشاكل. انتي خارجة بكرة الصبح، والموقف تحت المستشفى على طول.”
بصّيت لها وأنا مش مستوعبة: “أنا لسه والدة من ٦ ساعات!”
جوزي “داني” هز كتفه ببرود: “أهلي جايين من السفر وحاجزين من بدري. يعني نلغي العشا عشانك انتي تعبانة؟”
أخته “منة” ضحكت وقالت: “ما الستات كلها بتولد عادي يعني.”
فضلت باصة لهم… للبسهم الغالي… لنظراتهم المتعالية… ولمفاتيح العربية اللي كنت أنا اللي دافعة تمنها أصلًا.
ابني الصغير اتحرك في حضني، فضمّيته أكتر.
قلت له بهدوء موجوع: “إنت بجد هتسيبني هنا لوحدي؟”
قرب مني وهمس بصوت واطي: “بلاش تعملي المنظر ده… المفروض تبقي شاكرة إن أهلي قبلوكي أصلًا بعد كل اللي فات.”
“كل اللي فات”… يقصد شقتي القديمة… وسكوتي… وإني عمري ما حكيت لهم أنا شغالة إيه بجد… ولا إن عيلتي أصلًا من الناس التقيلة.
حماتي فتحت شنطة البيبي وبصّت للحاجات اللي جواها باستهزاء: “حاجات رخيصة أوي… نبقى نجيب له حاجة تليق بعدين، لو طلع شبه داني.”
في اللحظة دي… حاجة جوايا اتكسرت.
ماكانش زعل. ولا صدمة.
كان وضوح.
داني باس ابنه بسرعة كأنه بيتمصور، وبعدها لف ومشي.
وقبل ما يخرج وقف عند الباب وقال: “ماتتصليش كتير… إحنا خارجين نحتفل.
الباب اتقفل.
وقعدت أنا… متبهدلة… وتعبانة… وابني نايم على صدري.
عيطت ٣ دقايق بس.
وبعدين مسكت موبايلي.
كان فيه رقمين داني عمره ما عرف عنهم حاجة… لأنه أصلًا عمره ما اهتم يسأل.
رقم المحامي بتاعي. ورقم المكتب الخاص بوالدي.
اتصلت بالمحامي الأول.
رد بسرعة: “أيوه يا كلير، البيبي وصل بالسلامة؟”
همست: “أيوه… وداني سابني أنا وابنه في المستشفى ومشي.”
سكت ثانية… وبعدين صوته اتغير: “تحبي نبدأ الإجراءات؟”
بصّيت لإيد ابني الصغيرة وهي ماسكة صباعي.
وقلت بهدوء: “أيوه… جمّدوا كل حاجة.”
داني نزل مع أهله يضحكوا ويتصوروا في المطعم… وهو فاكر إن “كلير” هتعيط شوية وتسكت كعادتها.
ماكانش يعرف إن المكالمة اللي عملتها من سرير المستشفى كانت بداية النهاية لكل حاجة بناها فوق الكذب والطمع.
بعد ما قفلت مع المحامي، اتصلت بالرقم التاني.
سكرتير والدي رد فورًا: “مساء الخير يا آنسة كلير، أستاذ فؤاد في الاجتماع… أحب أبلغه بحاجة ضرورية؟”
بصّيت لابني اللي نايم جنبي، وقلت بهدوء: “قولوله يبدأ يسحب اسمه من مجموعة الدهشان بالكامل.”
سكت الرجل ثانيتين كأنه اتصدم. “حضرتك متأكدة؟”
“جداً.”
في نفس اللحظة تقريبًا… كان داني قاعد في أفخم ركن بالمطعم، بيضحك مع أهله، وحماته بتقول بفخر: “بصراحة يا داني، ربنا كرمك إنك اتجوزت واحدة غلبانة مطيعة… دي حتى مالهاش أهل يسندوها.”
منة ضحكت: “آه والله… دي حتى لبس البيبي كان يكسف.”
وفجأة… تليفون داني رن.
بص للشاشة واتضايق: “المدير؟ الساعة دي؟”
رد ببرود: “أيوه يا فندم.”
لكن ملامحه اتغيرت فجأة.
“إيه يعني الشركة جمدت الحسابات؟!”
المدير كان بيزعق: “إنت
حماته اتوترت: “في إيه؟”
داني قام واقف: “مستحيل… مين يقدر يعمل كده؟!”
وفي نفس اللحظة… وصلت رسالة على موبايله.
“تم إيقاف استخدام السيارة الحالية لحين إشعار آخر.”
العربية.
العربية اللي كان بيتباهى بيها قدام الناس… كانت باسمي أنا.
داني حاول يتصل بيا مرة… اتنين… خمسة…
ما رديتش.
بعد ساعة، باب أوضتي في المستشفى خبط.
دخل والدي.
الراجل اللي داني كان فاكره موظف عادي متقاعد.
بدلته السودا كانت أفخم من أي حاجة لبسوها الليلة دي كلها. ووراه اتنين حراس.
أول ما شافني، قرب وباس راسي بهدوء: “حمد لله على سلامتك يا بنتي.”
وأول ما شاف حفيده… عينيه دمعت.
“هو ده اللي زعلك؟”
هزّيت راسي بصمت.
في اللحظة دي… والدي لف للمحامي اللي وراه وقال: “ابدأوا.”
المحامي فتح التابلت وقال بهدوء: “تم تجميد جميع الأصول المشتركة… وسحب التوكيلات… وإلغاء الشراكة مع شركة عائلة زوج حضرتك.”
بعدها بصلي: “فاضل أمر الحضانة والطلاق.”
ولأول مرة من ساعات… حسيت إني بتنفس.
—
في الناحية التانية…
داني كان بيجري بعصبية قدام المطعم.
“أكيد دي بتهدد وبس! كلير ماتقدرش تعمل حاجة!”
لكن في اللحظة دي… عربية السحب وصلت.
قدام الناس كلها.
والعامل سأله: “حضرتك داني رؤوف؟”
“أيوه!”
“العربية دي عليها أمر استرداد.”
حماته صرخت: “إيه الهبل ده؟! دي عربية ابني!”
العامل بص في الورق: “لا يا فندم… العربية ملك الآنسة كلير فؤاد الألفي.”
الصمت نزل عليهم كالصاعقة.
منة همست: “الألفي؟!”
الاسم أخيرًا وصلهم.
اسم العيلة اللي البلد كلها تعرفه…
وداني فجأة افتكر كل مرة كان يسألني: “هو أبوكي بيشتغل إيه؟”
وأنا كنت أقول: “شغل عادي.”
لأنه عمره ما سأل باهتمام حقيقي.
كان يشوفني أقل منه أصلًا.
—
الساعة كانت قرب الفجر لما وصل المستشفى.
دخل مندفعًا: “كلير! انتي عملتي إيه؟!”
كنت قاعدة بهدوء أرضع ابني.
رفعت عيني ليه فقط.
أول مرة يشوفني من غير خوف… من غير محاولة إرضاء.
قال بتوتر: “إحنا ممكن نتفاهم.”
ابتسمت بهدوء: “نتفاهم على إيه؟”
“اللي حصل سوء تفاهم.”
“آه… سوء تفاهم خلاك تسيب مراتك وابنك بعد الولادة عشان عشا.”
حماتي دخلت وراه بسرعة: “يا بنتي الناس بتغلط—”
قاطعتها لأول مرة: “متنادنيش يا بنتي.”
سكتت.
كملت وأنا باصة لداني: “عارف إيه أسوأ حاجة؟ مش إنك مشيت.”
“إنك كنت متأكد إني هقبل الإهانة وأسكت.”
قرب خطوة: “كلير… عشان خاطر ابننا.”
بصيت لابني الصغير، وبعدها ليه: “ابنك؟”
طلعت ورقة من الدرج جنب السرير.
“دي أوراق الطلاق.”
إيده اتهزت.
“انتي مستحيل تعملي كده.”
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة: “إنت لسه فاكرني الست الضعيفة اللي اتجوزتها.”
والدي وقف وقتها وقال بهدوء مرعب: “لا يا أستاذ داني… إنت اللي ماتعرفهاش.”
—
بعد شهرين…
داني خسر شغله. وأهله اضطروا يبيعوا الفيلا بعد تراكم الديون.
الناس اللي كانوا بيتصوروا معاهم اختفوا. والمطاعم الفخمة مبقتش تستقبلهم بنفس الترحيب.
أما أنا…
كنت قاعدة في بيت هادئ، وابني نايم على صدري.
الممرضة دخلت وقالت: “في حد بره طالب يشوف حضرتك… الأستاذ داني.”
سكت شوية قبل ما أكمل: “بيقول عايز يشوف ابنه.”
بصّيت من الشباك.
كان واقف بره… أضعف… مكسور… لأول مرة
سألت نفسي: هل الندم متأخر؟
يمكن.
لكن بعض القلوب… لما بتتكسر مرة، مابتعرفش ترجع زي الأول أبدًا.
النهاية.