لاقيت سلسله
"طلّعت سلسلة دهب قديمة من غسالة في مغسلة هدوم… ولما فتحتها ولقيت صورتي وأنا طفلة جواها، الست اللي دخلت بعدها بدقيقة أول ما شافتني وشّها اصفَر وكأنها شافت شبح!"
أنا عندي ٣٢ سنة… لكن اللي حصل الثلاثاء اللي فات قلب حياتي كلها.
من وأنا عندي ست سنين وأنا لوحدي. قالولي وقتها إن حريق في البيت خطف أبويا وأمي، ومن بعدها وأنا بتنقل بين بيوت الرعاية، ماليش من الدنيا غير صورة واحدة… ليا وأنا لابسة فستان أصفر وبضحك كأني لسه مصدقة إن الدنيا أمان.
كبرت… وكل مرة الحياة كانت تكسرني أكتر. وآخر ضربة؟ أبو بنتي سابني أول ما جسمي اتغيّر بعد الحمل، وكأن الحب عنده كان مرتبط بالميزان مش بالبني آدم.
يومها كنت قاعدة في مغسلة "رغوة ونضافة"، بغسل هدوم البيبي الصغيرة، وبسأل نفسي إزاي وصلت لكل ده.
غسالة رقم ١٢ كان في حاجة مستخبية جوه الكاوتش. كنت هسيبها… بس الفضول غلبني.
طلعت سلسلة دهب قديمة. شكلها عتيق ولسه مبلولة من الغسيل.
فتحتها…
وفجأة حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
نفس الصورة. نفس الفستان الأصفر. نفس ابتسامتي وأنا عندي ست سنين… نفس الصورة اللي فضلت محتفظة بيها عمري كله.
بس الغريب؟ إني عمري ما كان عندي سلسلة زي دي.
همست وأنا إيدي بتترعش: "مستحيل…"
وفجأة سمعت صوت خطوات سريعة داخلة المغسلة. ست دخلت وهي متوترة بشكل مرعب، بتبص على الغسالات واحدة واحدة كأن روحها فيها.
كانت بتقول بصوت مخنوق: "يا رب تكون لسه موجودة…"
لكن أول ما عينيها وقعت على السلسلة اللي في إيدي…
سلة الغسيل وقعت منها. الهدوم اترمت على الأرض. ووشها فقد
بصتلي وكأنها شافت حد راجع من الموت.
وقالت بصوت مرتعش: "إنتِ…"
قلبي كان بيدق بعنف.
سألتها وأنا ماسكة السلسلة بقوة: "إزاي معاكي صورتي؟"
قربت مني ببطء… وفضلت تبص في ملامحي كأنها بتتأكد من حاجة مستحيل تصدقها.
وبعدين قالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقي:
"كنت بدعي إن اليوم ده ما يجيش أبدًا…"
سألتها بخوف: "يوم إيه؟"
شفت دقنها بتترعش قبل ما ترد:
"اليوم اللي تعرفي فيه السر اللي مخبياه عنك بقاله ستة وعشرين سنة…"
الست فضلت واقفة قدامي، صدرها بيطلع وينزل بسرعة، وإيديها بترتعش كأنها ماسكة سر تقيل بقاله عمر كامل.
أنا كنت ماسكة السلسلة بقوة لدرجة إن ضوافري غرست في كفّي.
قلت بعصبية: "انطقي! إنتِ مين؟ وإزاي معاكي صورتي؟!"
بصّت حواليها بسرعة… كأنها خايفة حد يسمعنا. وبعدين قربت وهمست:
"مش هنا… لو سمحتي مش هنا."
كنت المفروض أمشي. أي حد عاقل كان هيهرب من الموقف كله. لكن في حاجة جوايا… حاجة عمري ما حسّيتها قبل كده… كانت بتشدني ليها.
خرجت معاها من المغسلة. المطر كان خفيف والجو بارد، وهي ماشية قدامي بخطوات مترددة لحد ما دخلنا كافيه صغير في آخر الشارع.
أول ما قعدنا، فضلت ساكتة شوية. وبعدين طلعت من شنطتها صورة قديمة متنية من الأطراف.
ولما فردتها قدامي… حسيت الأرض بتميد بيا.
الصورة كانت ليا. بس مش لوحدي.
كنت واقفة جنب بنت صغيرة تانية… نسخة مني بالظبط.
نفس العينين. نفس الفستان الأصفر. حتى نفس الابتسامة.
همست وأنا حاسة إني هختنق: "دي… مين؟"
الست غمضت عينيها كأنها بتستجمع شجاعة عمرها كله. وقالت:
"
الدنيا سكتت.
حرفيًا سكتت.
حتى صوت المطر برا اختفى من وداني.
ضحكت بتوتر وأنا بهز راسي: "لا… لا مستحيل… أنا يتيمة… ماليش حد."
ردّت بسرعة وعينيها اتمَلّوا دموع: "وده اللي خلوكي تصدقيه طول عمرك."
قلبي بدأ يدق بعنف. "مين هما؟!"
بلعت ريقها وقالت: "أنا… أنا المربية اللي كانت شغالة عند أمك."
شهقت. وهي كملت بسرعة قبل ما أتكلم:
"اللي حصل ليلة الحريق ماكانش حادث."
إيدي سابت فنجان القهوة. وقع واتكسر على الأرض.
الناس بصتلنا… لكن أنا؟ أنا كنت حاسة إن العالم كله بيتكسر معاه.
"يعني إيه؟"
بصتلي مباشرة لأول مرة. وقالت:
"أبوك الحقيقي كان راجل غني جدًا… وغني بشكل يخوف."
"إيه علاقة ده بالحريق؟"
اتنهدت وقالت: "كان عنده شركاء… ناس طمعوا في ثروته. ولما رفض يبيع نصيبه، قرروا يتخلصوا منه."
دموعي بدأت تنزل بدون ما أحس.
"وأمي؟"
"كانت بتحاول تنقذك."
قلبي وجعني بطريقة عمري ما حسّيتها. "أنا شوفت النار… فاكرة الصريخ…"
هزت راسها ببطء: "لأن النار كانت حقيقية… بس اللي الناس ما تعرفوش إن أمك خرجت بيكي إنتِ وأختك قبل البيت ما ينهار."
اتسعت عيني: "يبقى… ليه افترقنا؟!"
هنا الست بدأت تبكي فعلًا.
"لأنهم كانوا بيدوروا عليكم."
سكتت شوية… وبعدين قالت الجملة اللي خلت جسمي كله يتجمد:
"وأمك اضطرت تختار بسرعة مين فيكم عنده فرصة يعيش."
شهقت: "اختارت؟!"
"قسّمتكم… إدتني أختك وهربت بيكي هي."
حاولت أستوعب. لكن عقلي كان بيرفض.
"بس أمي ماتت…"
الست بصتلي نظرة غريبة جدًا. نظرة كلها ذنب وخوف.
وقالت: "وده أكبر كذبة اتقالتلك."
قلبي وقف.
"أمي… عايشة؟"
الست نزلت عينيها. "آخر مرة شفتها من ٢٦ سنة… كانت مصابة ومرعوبة. قالتلي لو حصلها حاجة، أخبي الحقيقة عنكم للأبد."
"ليه؟!"
"لأن الناس اللي حرقوا البيت فضلوا يدوروا عليكم سنين."
سكتت… ثم همست: "ولأن واحد منهم كان قريب جدًا منكم."
المكان برد فجأة.
حسيت جلدي يقشعر.
"مين؟"
الست رفعت عينيها ناحيتي ببطء… وقالت:
"عمّك."
شهقت بقوة.
أنا أصلًا ماكنتش أعرف إن عندي عم.
قالت: "هو اللي خد كل حاجة بعد اختفاء أبوك… الشركة… الفلوس… حتى البيت."
"ليه محدش قالي؟!"
"لأنه دفع فلوس لكل اللي حواليكي علشان تفضلي يتيمة مجهولة."
كنت حاسة إني بتفرج على فيلم مش حياتي.
وفجأة… موبايل الست رن.
أول ما شافت الرقم، وشها اصفرّ.
قامت بسرعة وهي بتهمس: "لا… لا… مستحيل يكون عرف."
"مين؟!"
لكنها ما ردتش. مسكت إيدي فجأة وقالت:
"اسمعيني كويس… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، روحي محطة القطر القديمة بكرة الساعة ٨ بالليل."
"ليه هناك؟!"
قالت وهي بتبص ورايا بخوف: "لأن في حد مستنيك من زمان جدًا."
"مين؟"
دموعها نزلت وهي تهمس:
"أختك."
وبعدين… جريت.
خرجت من الكافيه وسط المطر، وسابتني واقفة لوحدي وأنا حاسة إن روحي خرجت مني.
رجعت بيتي تلك الليلة وأنا مش قادرة أنام. بنتي نايمة جنبي بسلام… وأنا قاعدة أبص للسلسلة.
فتحتها مرة تانية.
ولأول مرة لاحظت حاجة ماكنتش واخدة بالي منها قبل كده.
في ظهر الصورة… كان في كتابة صغيرة جدًا.
ارتعشت وأنا بقربها للنور.
وكان مكتوب:
"لو حصل أي حاجة… البنت التانية عندها النصف التاني."
النصف التاني
وفي اللحظة دي بالظبط… وصلتلي رسالة من رقم مجهول.
رسالة قصيرة جدًا.
"ما تروحيش المحطة… هما مستنيينك هناك."