كذبه السرطان
أخدت بنتي تاني لجلسة الكيماوي… بس اللي حصل المرة دي قلب حياتي كلها.
كنت داخلة المستشفى وأنا متوقعة يوم تقيل زي كل مرة… نفس الريحة، نفس الخوف، نفس الوجع اللي بشوفه في عيون بنتي. لكن فجأة، الدكتور وقفنا وقال:
— يا مدام… بنتك عمرها ما كان عندها سرطان.
الكلام نزل عليّا زي صاعقة.
إيدي اتخدّرت، والدنيا حواليّا بقت مشوشة.
— يعني إيه؟! — قلتها بصوت مش شبه صوتي.
ما ردش فورًا… بس مدّ لي ملف.
خدته منه بسرعة وفضلت أقلب في الورق كأني بتشبث بأي حاجة تفهمني.
الاسم اللي مكتوب: “بسمة محمد”…
رفعت عيني وأنا مش قادرة أتنفس كويس:
— دي… دي مش بنتي!
وش الدكتور اتغير، وكأنه قلق فجأة.
— وده بالظبط اللي مخوفنا — قالها بصوت واطي — الملف ده هو اللي اتقدّم لشركة التأمين عشان يوافقوا على علاج الكيماوي… على حساب وثيقتك.
حسّيت الأرض بتسحب من تحت رجلي.
— على حسابي أنا؟!
هز راسه وقال:
— واللي قدّم الملف… استلم فلوس التأمين.
في اللحظة دي، ما كنتش سامعة غير صوت دقات قلبي.
شهور من حياتي عدّت قدام عيني…
ليالي طويلة على كراسي المستشفى،
ريحة المطهرات،
شعر بنتي وهو بيقع واحدة واحدة،
وجسمها الصغير وهو بيضعف كل يوم أكتر…
كنت شايفاها بتتوجع، ومصدقة إننا بنحارب عشان ننقذها.
وفجأة… كل ده يطلع
— بس كانت بتتعب… الحرارة، الكدمات، الإرهاق… الحاجات دي مش بتيجي من فراغ!
الدكتور قال بهدوء:
— إحنا راجعنا التحاليل الأخيرة… بنتك مفيهاش سرطان.
رجلي ما بقتش شايلاني.
وقرّب مني أكتر وقال بصوت أخفض:
— وفي حاجة تانية… المستشفى عندنا عمره ما استقبل التحاليل القديمة بتاعتها أصلاً. مش موجودة في النظام.
بصيت له وأنا مش فاهمة:
— يعني إيه الكلام ده؟
قال:
— يعني في حد لعب في الملف… قبل ما يوصلنا.
برد سرى في جسمي كله.
حد عنده صلاحية…
حد فاهم بيعمل إيه كويس…
حد استغل خوفنا… وحوّله لفلوس.
حضنت بنتي جامد، كأني بحاول أحميها حتى من اللي فات.
بصتلي بتعب وقالت بصوت واطي:
— ماما… النهارده مش هيحقنوني تاني، صح؟
بلعت ريقي وقلت:
— لأ يا حبيبتي… خلاص.
لكن جوايا… كان في حاجة بتتكسر.
لأن لو بنتي عمرها ما كان عندها سرطان…
يبقى إيه اللي كانوا بيدّوهولها طول الشهور دي؟
ومين القريب مننا كفاية إنه يعمل كده…
من غير ما نحس؟
لسه ما عنديش إجابات…
بس متأكدة من حاجة واحدة:
الموضوع لسه مخلصش…
ولا حتى بدأ يكشف حقيقته.
فضلت طول الطريق وأنا حاضنة بسمة، عقلي مش قادر يستوعب… بس قلبي بدأ يشك.
مين يقدر يعمل فينا كده؟
مين عنده الجرأة يحقن طفل بريء بأدوية خطيرة… بس عشان فلوس؟
وأول ما
كل التفاصيل الصغيرة اللي كنت بعدّيها زمان.
نظرات جوزي “أحمد” اللي كانت بتتغير أول ما بنتكلم عن العلاج…
إصراره الغريب إنه هو اللي يجيب التحاليل…
رفضه إنه يخليني أروح لأي مستشفى غير اللي هو محدده…
ساعتها… قلبي دق جامد.
— لا… مستحيل.
لكن الشك لما بيدخل… بيبدأ يكبر.
استنيت لما بسمة نامت… ومسكت موبايل أحمد.
عمري ما فتشته قبل كده… بس الليلة دي ماكنتش زي أي ليلة.
فتحت الواتساب…
وفي ثواني… حياتي كلها انهارت.
محادثات بينه وبين واحد اسمه “دكتور سامي”…
صور تحاليل متفبركة…
رسائل بتتكلم عن “جرعات” و”مواعيد” و”تحويل فلوس”.
وفي رسالة كانت كفيلة تقتلني وأنا عايشة:
— “متقلقش… الحالة شكلها مقنع جدًا، وشركة التأمين هتدفع من غير نقاش.”
إيدي كانت بتترعش.
قريت رسالة بعدها:
— “بس خفف الجرعات شوية… البنت بدأت تتعب زيادة عن اللزوم.”
دموعي نزلت غصب عني.
“زيادة عن اللزوم؟!”
يعني هو عارف… وشايف… وساكت؟!
سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
أحمد رجع.
قفلت الموبايل بسرعة… بس كان خلاص.
أنا عرفت.
وهو… واضح إنه لاحظ.
بصلي بنظرة غريبة وقال:
— مالك؟ في حاجة؟
بصيت له… نفس الراجل اللي حبيته… بس لأول مرة أحس إني مش عارفاه.
قلت بهدوء وأنا بكتم النار اللي جوايا:
— لا… مفيش.
بس من جوايا… كنت باخد قرار.
اللي عمله مش هيسكت عليه.
تاني يوم… رحت المستشفى تاني.
وقابلت الدكتور، وحكيت له كل حاجة.
ما اتفاجئش… بالعكس، قال:
— كنا شاكين إن الموضوع وراه حد قريب.
وبدأنا نشتغل مع الإدارة والشرطة.
جهزنا خطة.
طلبت من أحمد ييجي معايا المستشفى بحجة إن في “تطور خطير” في حالة بسمة.
وأول ما دخل…
اتفاجئ بوجود ظابطين مستنينه.
وشه اصفر في لحظة.
— في إيه؟! — قالها وهو متوتر.
الظابط رد بهدوء:
— أحمد محمود… أنت متهم بتزوير أوراق طبية، والنصب على شركة تأمين… وتعريض حياة طفلة للخطر.
بصلي بصدمة:
— إنتي عملتي كده؟!
ما رديتش… بس دموعي نزلت.
— ليه يا أحمد؟! ليه تعمل في بنتك كده؟!
صرخ وقال:
— أنا كنت محتاج الفلوس! كنت هتسجن! ماكنش عندي حل!
— فاخترت تضحي ببنتك؟!
سكت… ومابقاش عنده رد.
اتقبض عليه… ومعاه الدكتور المزيف وكل اللي شاركوا في الجريمة.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة…
بسمة كانت محتاجة علاج عشان تتعافى من آثار الكيماوي اللي مالوش لازمة…
بس الحمد لله… بدأت تتحسن.
وشعرها رجع ينبت تاني…
وضحتها رجعت تنور حياتي.
وفي يوم… وهي بتضحك وبتجري في البيت…
بصتلي وقالت:
— ماما… أنا خفيت خلاص؟
حضنتها ودموعي في عيني:
— أيوه يا قلبي… إنتي خفيتي من كل حاجة.
مش بس من
لكن من أسوأ كابوس ممكن تعيشه أم.
ومن يومها… اتعلمت درس عمري ما هنساه:
مش كل خطر بييجي من بره…
أوقات… بيكون أقرب حد لينا.