لما سابووني اموت

لمحة نيوز

لم أصرخ. لم أذرف دمعة واحدة. الألم الجسدي الناتج عن شد شعري والضغط على جرح العملية كان فظيعاً، لكنه لم يكن شيئاً مقارنة بالبرود الذي اجتاح روحي. التفت ببطء، وجوشوا ما زال ممسكاً بشعري، ونظرت في عينيه مباشرة. كانت عيناه مليئتين بالغضب الأعمى، لكنه عندما رأى نظرتي.. سكن. لم تكن نظرة انكسار، ولا توسل، كانت فارغة تماماً. نظرة جثة تمشي.

أفلت يده ببطء، وكأن يدي كانت قطعة من الجمر. تراجعت خطوة للخلف، وأصلحت ثيابي وشعري بهدوء غريب جمد الدم في عروق الجميع. الأوضة التي كانت تضج بالصراخ والسخرية قبل ثوانٍ، أصبحت الآن صامتة كالمقبرة. حتى إيفيت توقفت عن التمثيل، وبدا على وجهها ارتباك حقيقي لأول مرة.

نظرت إليهم جميعاً، واحداً تلو الآخر. بابا الذي يرى فيّ عبئاً، وماما التي ترى فيّ أداة لإرضاء غرور إيفيت، وجوشوا الذي يراني كيس ملاكمة لمشاكله، وإيفيت.. التي تراني مجرد ظل لتلمع هي بسببه، وجول.. الذي نسيت أصلاً لماذا أحببته يوماً.

قلت بصوت خافت، لكنه وصل لكل زاوية في الصالة: "شكراً."

بابا كشر باستغراب: "شكراً على إيه يا مجنونة؟"

"شكراً لإنكم عرفتوني مكاني." التفت وصعدت السلم. كل درجة كانت عذاباً، الحساسية بدأت تخنقني، والجرح ينزف دماً خفيفاً، لكنني لم أتوقف. دخلت غرفتي، وأغلقت الباب بالمفتاح.

لأول مرة منذ سنوات، لم أبكِ. بدأت أجمع أشيائي المهمة: شهادة ميلادي، جواز سفري، بعض النقود التي كنت أدخرها بعيداً عن أعينهم، والكمبيوتر المحمول الخاص بي.

نزعت الخاتم من إصبعي، خاتم الخطوبة الذي لم يكن يعني لي شيئاً سوى قيد آخر. وضعته في علبة صغيرة، وكتبت رسالة قصيرة جداً: "جول، الفرح ملغي. أورورا باي بالهنا والشفا على إيفيت."

لم أنتظر لآخذ الدواء. لم أكن أهتم. الحساسية ستموت مع الوقت، أو سأموت أنا، لم يعد الأمر فارقاً. فتحت الشرفة، الجو كان بدأ يبرد، ونور العصر الذهبي بدأ يختفي ليحل محله سواد الليل. نزلت من الشرفة، مستعينة بماسورة الصرف، الألم كان يعصرني، لكن الخوف من البقاء في هذا البيت كان أقوى.

عندما وصلت للأرض، لم ألتفت خلفي. ركبت أول تاكسي قابلني، وقلت للسائق: "أي مكان بعيد عن هنا."

في اليوم التالي، استيقظت في فندق صغير رخيص. جسمي كان مغطى بالبثور الحمراء، ووجهي متورم، وجرح العملية ملتهب. لكنني كنت حرة. أول شيء فعلته هو تغيير رقم هاتفي، وحظر جميع حسابات عائلتي وجول من على مواقع التواصل الاجتماعي. بدأت أبحث عن سكن، وعن عمل جديد بعيداً عن مجال عمل والدي وجول.

بعد أسبوع، استطعت بصعوبة تأمين شقة استوديو صغيرة، وحصلت على وظيفة بسيطة في مكتبة. كنت أعيش على المسكنات ومضادات

الحساسية، لكنني كنت أعيش.

مرت ثلاثة أشهر. كانت الحياة صعبة، لكنها كانت هادئة. لم أكن أعرف شيئاً عنهم، ولم يكونوا يعرفون شيئاً عني. حتى جاء ذلك اليوم.

كنت جالسة في المكتبة، أرتب الكتب، عندما رأيت جول. كان يبدو هزيلاً، عيناه غائرتان، وملابسه غير مهندمة. عندما رآني، جمد مكانه، ثم ركض نحوي وكأنه رأى شبحاً.

"صوفيا! أنتي عايشة!"

نظرت إليه ببرود: "أيوة، عايشة. محتاج حاجة؟"

"صوفيا، أرجوكي اسمعيني. الدنيا اتقلبت بعد ما مشيتي. باباكي ومامتك مش بيكلموا بعض، كل واحد بيلوم التاني لإنك مشيتي. وجوشوا.. جوشوا في الحبس."

لم يهتز فيّ جفن: "في الحبس؟ ليه؟"

"بعد ما مشيتي بيومين، إيفيت عملت خناقة كبيرة معاهم، كانت عايزة فلوس عشان تسافر، وبابا رفض لإن الفلوس خلصت في مصاريف المستشفى بتاعتك وعيد ميلادها. جوشوا اتعصب عليها، وضربها.. ضربها جامد يا صوفيا، لدرجة إنها دخلت المستشفى، والجيران بلغوا البوليس."

سمعت الكلام وكأنني أسمع قصة عن أشخاص غرباء. لم أشعر بالحزن على إيفيت، ولا بالشمتة في جوشوا. لم أشعر بشيء.

"وإنتي؟" سألته.

"أنا؟ أنا وإيفيت سبنا بعض. اكتشفت إنها كانت بتستغلني، وإنها عمرها ما حبتني. أنا كنت بحبك أنتي يا صوفيا، بس كنت أعمى. أرجوكي ارجعيلي."

ضحكت بصوت عالٍ، ضحكة سخرية ومرارة:

"بتحبني؟ أنت بعتلي رسالة بتقولي "بلاش دراما" وأنا بموت بره غرفة العمليات. أنت كنت مستعد تأجل فرحنا عشان تفسح أختي. الحب ده كان فين وقتها؟"

"كنت غلطان، أرجوكي اغفريلي."

وقفت، وأمسكت بيده، ووضعت في كفه علبة صغيرة: "ده الخاتم بتاعك، لسه معايا. خده، واديه لأي حد يستاهل "الحب" بتاعك ده. أنا مش عايزة حاجة منكم، لا حب، ولا كره، ولا حتى اعتذار."

تركته واقفا مكانه، وعدت لعملي.

بعد سنة واحدة، كنت قد استطعت أن أبني حياة جديدة تماماً. نجحت في عملي، وأصبح لدي أصدقاء حقيقيون يحبونني لشخصي، لا لإنني "أخت إيفيت" أو "خطيبة جول". تزوجت من رجل رائع، يقدرني ويحترمني، وعندما شعرت بألم بسيط في بطني في إحدى الليالي، لم يتردد ثانية واحدة في أخذي للمستشفى، وظل بجانبي طوال الليل يمسك يدي.

أما عائلتي.. علمت لاحقاً أن بابا وماما انفصلا، وأن إيفيت تعيش حياة وحيدة، تبحث عن الاهتمام في كل مكان ولا تجده، وجوشوا ما زال في السجن.

لقد ندموا جميعاً، ندموا لإنهم خسروا الشخص الوحيد الذي كان يحبهم بصدق، الشخص الذي كان مستعداً للتضحية بكل شيء من أجلهم. لكن ندمهم جاء متأخراً جداً. لإن "الفتلة الأخيرة" التي قطعت في ذلك اليوم، لم تكن مجرد فتلة، كانت رابطة دم، ورابطة روح، انقطعت إلى الأبد.

وأنا؟ أنا لم أعد أختفي

من حياتهم، أنا ببساطة.. لم أعد موجودة فيها.

تم نسخ الرابط