كنت بعمل قهوتي في مطبخي

لمحة نيوز

كنت بعمل قهوتي في مطبخي، في بيتي أنا، لما مرات ابني قالتلي بكل بساطة:
"كُلي بعدين… ده فطار العيلة."

الكلام اتقال بهدوء غريب، لدرجة إني في لحظة شكّيت إني يمكن فهمت غلط.

كنت واقفة الساعة 6:40 الصبح يوم حد، حافية على أرضية أنا اللي مختاراها من 12 سنة، مستنية القهوة تخلص. البيت كان هادي، مفيش غير صوت التلاجة وطبق بيتحط على السفرة. ابني أحمد ومراته ياسمين وعيالهم الاتنين كانوا عايشين معايا “كام شهر” بعد ما أحمد خسر شغله وبقى الإيجار تقيل عليهم في القاهرة… بس الحقيقة إنهم بقالهم 11 شهر.

وأنا ما اشتكيتش.

اديتهم أوضة النوم الكبيرة عشان العيال صغيرة، وياسمين كانت بتقول إن ده مهم لنومهم. وأنا نزلت أوضة الضيوف تحت. كنت بدفع كل المصاريف زي ما أنا، وكمان استحملت زيادة الأكل من غير ما أتكلم… لأن العيلة لما تكون مضغوطة، أقل حاجة تعملها إنك تطمّنهم.

بس واضح إن بالنسبة ليها… البيت كان ليه ترتيب تاني.

الصبح ده، السفرة كانت متجهزة—بيض، توست، فاكهة، وبان كيك للأطفال. مسكت المج عشان أصب القهوة، لكن ياسمين لفت ناحيتي وقالتلي:
"كُلي بعدين… ده فطارنا إحنا."

الكلام وقع بهدوء… بس وجع.

مفيش صوت عالي، ولا

خناقة… بس نبرة كده، فيها ثقة إن اللي بتعمله طبيعي.

بصيت لأحمد.

كان قاعد بيقطع فراولة لبنته، وسمع كل كلمة. عارفة إنه سمع، عشان إيده وقفت لحظة… وبعدين كمل كأنه ما حصلش حاجة.

ما قالش كلمة.

وده كان أكتر حاجة وجعتني.

مش ياسمين… دي واحدة لسه داخلة حياتي من كام سنة.
الوجع كان من ابني… اللي ربيته لوحدي بعد ما أبوه مات وهو عنده 9 سنين. اللي شقيت عشانه، وسهرِت، واستحملت علشانه، وكنت معاه في كل خطوة لحد ما كبر وبقى راجل.

والنهارده… قاعد ساكت.

ما اتكلمتش.

ما سألتش.

ما حطيتوش في موقف قدام عياله.

سيبت المج زي ما هو، وما قلتش كلمة… ورجعت أوضتي وإيدي فاضية.

الليلة دي ما نمتش.

بس مع أول نور الصبح… الوجع اتحول لحاجة تانية.

وضوح.

وتاني يوم، قبل ما أي حد ينزل… سبت ظرف على الترابيزة في المطبخ…

الظرف اللي سيبته على الترابيزة ما كانش فيه جواب عتاب، ولا كان فيه "خناقة" ورقية. كان فيه مفتاح واحد، وورقة مكتوب عليها جملة واحدة بس: "بالهنا والشفا.. المطبخ والبيت كله ليكم لمدة أسبوع، أنا مسافرة أرتاح."

​خرجت من البيت والشنطة في إيدي، ركبت عربيتي ورحت "الجونة". كنت محتاجة أفتكر أنا مين بعيد عن دور "

الأم المعطاءة" اللي اتنسى فيها حقي. طفيت موبايلي تماماً، وسبتهم يواجهوا الحقيقة اللي كانوا مغميين عينيهم عنها.

​الأيام الأولى: الانهيار الهادئ

​في البيت، ياسمين افتكرت إنها "انتصرت" وبقى البيت ملكها تماماً. بس الصدمة جت مع أول ساعة:

  • الساعة 10 الصبح: ياسمين بتفتح الدولاب، مفيش عيش، مفيش بيض، مفيش خضار. اكتشفت إن التلاجة كانت بتتملي "سحرًيا" كل يوم الفجر لما كنت بنزل السوق وأنا هادية.
  • اليوم التاني: النور قطع لأن الكارت خلص. أحمد ما يعرفش مكان الكارت ولا بيتشحن منين. البيت بدأ يكركب، والعيال بدأوا يزنوا لأن "تيتا" هي اللي كانت بتعرف تسيطر على طاقتهم.

​أحمد كان بيدور على هدومه المكوية، على ورقة مهمة، على "روح" البيت اللي اختفت. لأول مرة يحس بتقل الحيطان من غير وجودي اللي كان بيشيل عنهم كل الهموم المادية والنفسية.

​المواجهة الكبرى

​رجعت بعد أسبوع. البيت كان حاله يغم. ياسمين وشها باهت من كتر التعب، وأحمد قاعد في الصالة وشكله كأنه كبر 10 سنين. دخلت بكل هدوء، حطيت نظارتي الشمسية، وقلت بابتسامة صافية:

"ها.. الفطار كان طعمه إيه وأنا مش هنا؟"

​ياسمين حاولت تتكلم، بس أحمد وقف. المرة

دي ما سكتش. بص لمراته وقالها:

"البيت ده مش بيتنا يا ياسمين.. البيت ده هو اللي شالنا لما العالم كله قفل بابه في وشي. وأمي مش ضيفة عشان تستنى دورها في الأكل، أمي هي صاحبة اللقمة اللي بنأكلها."

​نقطة التحول (المفاجأة)

​الظرف اللي سيبته ما كانش بس عشان السفر. أحمد لما فتح الدرج اللي فيه الأوراق الرسمية وهو بيدور على وصل النور، لقى "عقد إيجار" لشقة تانية باسمه، ومدفوع مقدمها لمدة 6 شهور من مدخراتي الشخصية.

​بصيت له وقلت له:

"يا أحمد، أنا ربيتك تكون راجل، والراجل ما بيقبلش إن أمه تتهان في بيتها عشان خايف من مراته. الشقة دي ليك، ابدأ فيها من جديد. المرة دي مش هساعدك عشان أنت محتاج، هساعدك عشان تتعلم تبني بيتك بكرامتك، وعشان ياسمين تعرف إن (فطار العيلة) بجد هو اللي بنقسم فيه اللقمة مع اللي فتحلنا بيته وقلبه."

​النهاية

​ياسمين بكت، مش من الزعل، لكن من الكسوف. وأحمد باس إيدي وهو حاسس إنه استرد رجولته اللي ضاعت في لحظة صمت.

البيت رجع هادي تاني..

بس المرة دي، وأنا واقفة أعمل قهوتي الساعة 6:40 الصبح، أحمد هو اللي جه ورايا، باس كتفي، وحط قدامي طبق الفاكهة وقال لي:

"اتفضلي يا ست الكل.. إحنا

اللي نستنى لما تخلصي فطارك."

​ومن يومها، عرفوا إن "الهناء" مش في الأكل، الهناء في الأصول اللي ما بتتجزأش.

تم نسخ الرابط