بعد ما اتمنيت طفل جوزي قرر يرجعه
بعد 10 سنين جواز، وأمل مفقود في الخلفة، قررنا أنا وجوزي "أحمد" إننا نتبنى طفل يملى علينا البيت. أحمد كان غرقان في شغله وشركاته، فسابلي جمل تشيل؛ أنا اللي لفيت على الجمعيات، وخلصت الأوراق، وفضلت أدور في صور الأطفال اللي مستنيين بيت يحضنهم.
كنا راسمين في خيالنا نتبنى "بيبي" لسه مولود، بس الإجراءات كانت معقدة والطلب كتير. لحد ما في يوم، عيني وقعت على صورة "ياسين".. طفل عنده 3 سنين، براءته تخطف القلب، وغمزاته في الصورة خلتني أحس إنه ابني فعلاً. أول ما ورّيت الصورة لأحمد، وافق فوراً وحسيته اتحمس أخيراً لفكرة الأبوة.
وبالفعل، خلصنا كل حاجة، وبعد شهر واحد كان "ياسين" منور بيتنا.. الفرحة ما كانتش سايعاني وأنا شايفاه بيجري في الصالة. أحمد حب يتقرب منه ويحسسه بالأمان، فطلب هو اللي يدخله يلبسه ويحميه لأول مرة عشان "يعملوا ريليشن" مع بعض.. كنت واقفة في المطبخ ببتسم وبحمد ربنا إن صبري جبر..
وفجأة.. البيت كله اتهز بصوت صريخ أحمد من الحمام وهو بيزعق بهستيريا:
"إحنا لازم نرجع الولد ده فوراً.. الولد ده مش هيفضل هنا دقيقة واحدة!"
أنا تجمدت مكاني، الكوباية وقعت من إيدي اتفرفت ميت حتة. جريت على الحمام والدينا بتلف بيا، لقيت أحمد واقف ساند على الحيطة، نفسه عالي، ووشه خالي من الدم.. وياسين قاعد في البانيو
أحمد شاور بصباعه وهو بيترعش على ضهر ياسين، وبالتحديد عند أسفل الرقبة.. في الأول مخدتش بالي، بس لما قربت، جسمي كله قشعر. كان فيه "وحمة" غريبة جداً، بس لما تدقق فيها، تكتشف إنها مش وحمة طبيعية.. ده وشم (تاتو) صغير جداً ودقيق لرمز "ميزان وجنبه سيف".
أحمد زعق فيا: "إنتي عارفة ده شعار مين؟ ده شعار عيلة 'الغول'.. العيلة اللي دمرت شغلي من 5 سنين، العيلة اللي مابترحمش! الولد ده مش يتيم يا منى.. الولد ده مزروع في بيتنا!"
أنا مكنتش مصدقة، قلتله بصوت مخنوق: "أحمد إنت أكيد اتجننت، ده طفل 3 سنين، الجمعية قالت إنه مجهول النسب!".. أحمد مسكني من دراعي بقوة وقال: "الوشم ده علامة 'الوريث' عندهم.. هما بيعلموا ولادهم كدة من يوم ولادتهم عشان لو تاهوا يرجعوا.. إنتي جبتيلنا الموت لحد البيت!"
الليلة دي منمتش.. كنت بقرر بين قلبي اللي حب ياسين، وبين رعب جوزي. وقبل الفجر، سمعت صوت "خربشة" على باب الشقة.. بصيت من العين السحرية ومكنش فيه حد، بس لقيت ظرف أسود محطوط تحت الباب.
فتحت الظرف وأنا بتمتّم بالآيات القرآنية.. كان فيه ورقة واحدة مكتوب فيها بخط إيد محترف:
"شكراً إنكم حافظتوا على 'الأمانة' طول الشهر اللي فات.. استعدوا، عشان صاحب الأمانة جاي يستلمها بكرة.. ومعاها
الدنيا اسودت في عيني.. هل ياسين طفل بريء فعلاً؟ ولا هو كان الطُعم اللي العيلة دي استخدتُه عشان تدخل بيت أحمد وتنتقم منه؟ والأهم من ده كله.. أنا حبيته، هل هقدر أسلمه ليهم حتى لو ده معناه نهاية حياتنا؟
أحمد قفل الأبواب بالترابيس، وفضل يراقب كاميرات المراقبة وهو ماسك تليفونه بيرتعش. أنا كنت حاضنة ياسين في أوضته، الولد كان نايم في هدوء غريب، وكأنه مش حاسس بالبركان اللي هينفجر برا.
الساعة دقت 3 الفجر.. فجأة، أنوار البيت كلها انطفت، وكاميرات المراقبة فصلت. سمعنا صوت خطوات هادية برا الشقة، وبعدها "تكة" الباب وهو بيفتح بمفتاح! أحمد صرخ: "أنا هقتلكوا لو دخلتوا!".. بس الصدمة شلت لسانه لما النور اشتغل فجأة.
اللي دخل مكنش عصابة.. كانت ست وقورة، في الستينات من عمرها، لابسة أسود وشكلها غني جداً، ومعاها المحامي بتاع الجمعية اللي استلمنا منه ياسين!
أحمد وقف مذهول: "إنتي مين؟ وإزاي المحامي معاكي؟"
الست بصت لياسين بدموع وقالت بصوت واطي: "أنا جدة الولد ده.. وأنا اللي زرعته في طريقكم."
أحمد اتعصب: "يعني إيه؟ إنتي عارفة أنا مين؟ إنتي من عيلة الغول اللي دمرت حياتي!"
الست ضحكت بوجع وقالت: "أنا كنت كبيرة عيلة الغول.. بس ابني، اللي هو أبو ياسين، خان العيلة وسرق فلوسها وهرب، ولما
أحمد سألها بحدة: "وطيب وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟ ليه أنا بالذات؟"
الست قربت منه وبصت في عينه: "لأنك الشخص الوحيد اللي عيلة الغول بتخاف منه ومتقدروش يقربوا من بيته.. ولأنك "أمين" يا أحمد. أنا اللي بعتت لك الوشم والظرف عشان أخوفك فتقفل بيتك عليه وتحميه في الليلة اللي العيلة كانت بتدور فيها عليه في كل الجمعيات."
المحامي طلع ورق رسمي وقال: "ياسين مش مجهول نسب.. هو وريث لثروة ضخمة جداً، والجدة اتنازلت عن الوصاية ليكم إنتو.. إنتو دلوقتي مش مجرد أهله بالتبني، إنتو حراسه الرسميين، والثروة دي هتبقى تحت إشراف أحمد لحد ما ياسين يكبر."
أحمد بص لياسين وهو نايم، الغضب اللي في عينه اتمحى وحل مكانه نظرة تانية خالص.. نظرة أب شاف إن ابنه محتاج حماية بجد. الست خرجت من البيت بهدوء وقالت وهي عند الباب: "أنا دلوقت أقدر أموت مرتاحة.. الغول مبيخافش غير من حد أقوى منه، وأنا ملقتش أقوى من حبكم لبعض عشان يحمي حفيدي."
عدت سنين، وياسين كبر وهو فاكر إن أحمد ومنى هما أهله الحقيقيين.. الوشم اللي كان مصدر رعب، بقى هو الرمز اللي بيفكر أحمد كل يوم إن القدر أحياناً بيبعت لنا "هدايا" في صورة "كوابيس"، عشان يختبر
تمت.