اختي طردتني من البيت

لمحة نيوز

“لمي هدومك.” قالتها أختي من غير أي ذرة رحمة، واقفة على باب الصالة، ومفاتيح البيت اللي اتربينا فيه بتتلعب في إيديها كأنها كسبت جايزة.
“البيت بقى بتاعي قانوني… ولازم تمشي.” بصيت حواليّا… نفس الحيطان. نفس العفش. نفس الصور اللي كانت بتحكي عن عيلة… اختفت فجأة.
أبويا مات من أسبوع بس… ومع ذلك— كل حاجة اتغيرت.
“يا إيمان…” قلت بهدوء، “إحنا لسه دافنينه.” لفّت عينيها ببرود وقالت: “دلوقتي بقى نتعامل مع الواقع… الوصية واضحة. البيت ليا… وكل الفلوس ليا.”
كل الفلوس… 36 مليون.
اتنقلت باسمها… وخلاص.
“أنا مش بطلب فلوس…” قلت، “أنا بس محتاجة وقت.” ضحكت… ضحكة قصيرة وقاسية.
“إنتِ قعدتي هنا طول عمرك… كفاية عليكي كده.”
سكت. لأن الجدال مكنش هيغير حاجة. مش دلوقتي… ومش معاها.
“تمام.” كلمة واحدة… فاجأتها. كانت مستنية مني انهيار… صويت… ترجي.
لكن ماخدتش مني حاجة.
في الليلة دي، لمّيت حاجتي بهدوء. شنطة واحدة… وشوية كراتين.
مش عشان الباقي مش مهم… بس عشان كنت فاهمة حاجة هي مش شايفاها.
اللي بيجري يطلعك من حياته بسرعة… غالبًا مش فاهم هو بيخسر إيه.
بعد كام يوم، تليفونها جه: “إنتي فين؟” “في فندق.” “تعالي مكتب المحامي… في ورق لازم تمضيه.”
ورق… طبعًا. دايمًا في ورق.
لما دخلت المكتب، كانت قاعدة مستنية… متوترة شوية، بس لسه واثقة.
الأستاذ “حسن” محامي أبويا… كان هادي بشكل غريب.
“كويس إنك جيتي، خلصينا بقى.” قالتها بسرعة.
قعدت… وسكت. واستنيت.
لأن نظرة المحامي… ما كانتش شبه كلامها خالص.
عدّل نظارته… وبص علينا إحنا الاتنين.
وبعدين… ابتسم.
مش

ابتسامة مجاملة… ولا رسمية…
ابتسامة حد عارف حاجة.
“قبل ما نبدأ…” قالها وهو موجه كلامه ليها، “هو حضرتك قريتي الوصية كويس؟”
المكان سكت فجأة.
ثقتها اهتزت… ولو للحظة.
“طبعًا قريتها… أنا ورثت كل حاجة!” قالتها بعصبية.
المحامي ضحك بخفة… وقال بهدوء قاتل:
“لا… إنتِ ما قريتيهاش.”
وفي اللحظة دي— وش أختي اصفرّ تمامًا…
لأن الحقيقة… كانت لسه هتبدأ.

سحب الأستاذ "حسن" ملف جلدي قديم من على مكتبه المصنوع من خشب الـ "أوك روما" الغامق، وحطه قدامه بهدوء. ديكور المكتب بألوان حيطانه الـ "ڤانيليا لاتيه" كان بيدي إحساس بالدفا، عكس البرود والتوتر اللي كان مالي المكان، وعكس نظرات إيمان اللي بدأت تتهز.

​"يعني إيه مقريتهاش؟" صوت إيمان طلع عالي ومخيف، "الوصية بتقول إن كل الأصول، بما فيها الڤيلا وحسابات البنوك اللي فيها 36 مليون جنيه، بتؤول ليا أنا! كوني أنا الابنة الكبرى واللي كانت بتدير معاه الشغل الفترات اللي فاتت!"

​ابتسم المحامي تاني، وفتح الملف وطلع منه ورقة عليها ختم النسر وتوقيع أبويا.

​"مظبوط يا إيمان هانم..." قالها وهو بيشاور بقلمه على سطر معين في الورقة، "إنتِ قريتي بند الأصول كويس أوي. بس اللي استعجلتي ومقريتيهوش، أو بالأصح مفهمتيهوش، هو بند (الالتزامات والمديونيات)."

​سكتت إيمان، وملامحها بدأت تتشنج.

​كمل الأستاذ حسن بصوت أهدى من الأول، بس كان عامل زي الرصاص:

"الـ 36 مليون اللي شفتيهم في الورق، دول مش رصيد والدك في البنك. دول إجمالي القروض والمديونيات اللي على الشركة، واللي والدك كان واخدها بضمان الڤيلا اللي

إنتِ طردتي أختك منها. والدك في آخر أيامه كان بيحاول ينقذ الشركة من إفلاس محتوم، والبنك حاجز على كل الأصول السائلة."

​الكلمات نزلت زي الصاعقة. إيمان رجعت لورا في الكرسي وكأن حد ضربها.

​"إنت... إنت بتقول إيه؟" صوتها كان بيترعش، "يعني إيه ديون؟ أنا مالي بالديون! أنا باخد الورث وبس!"

​"مفيش حاجة في القانون اسمها تاخدي الأصول وتسيبي الديون يا إيمان." المحامي رد بحسم، "بموجب إعلان الوراثة اللي إنتِ أصريتي تطلّعيه بسرعة، وتوقيعك على استلام التركة وإقرارك بإنك الوريثة المتحكمة... إنتِ لبستي الـ 36 مليون جنيه كاملين. والبنك هيبدأ إجراءات الحجز على الڤيلا الأسبوع الجاي."

​بصيت لإيمان. وشها اللي كان مليان غرور من كام يوم، دلوقتي بقى لونه رمادي. عينيها بتتحرك في كل حتة في الأوضة كأنها بتدور على مهرب.

​"لا... لا مستحيل! بابا مستحيل يعمل فيا كده!" صرخت وهي بتقوم من مكانها.

​"والدك كان عارف مين اللي طمعان، ومين اللي بيحب بجد." المحامي قفل الملف بتاعها، وسحب ظرف تاني أصغر، وبص لي أنا المرة دي.

​"والدك سابلك إنتِ ده."

​مد إيده بالظرف. فتحته بإيديا اللي كانت بتترعش شوية. لقيت فيه عقد ملكية حتة أرض زراعية صغيرة في أطراف البلد، ومفتاح قديم، وجواب بخط إيده.

​إيمان ضحكت بهيستريا وسط صدمتها: "أرض زراعية؟ سابلها حتة أرض بور مابتجيبش همها ومفتاح مصدي؟ شفتي؟ حتى وهو بيموت فضلني عليكي!"

​الأستاذ حسن تجاهلها تماماً، وبص لي وقال بابتسامة واسعة:

"الأرض دي يا بنتي مابقتش زراعية ولا بور. الأرض دي من شهرين دخلت ضمن

كردون المباني الجديد والمحور الإقليمي هيعدي من وسطها. الحكومة طلعت قرار استملاك ليها لتعويض الملاك... التعويض بتاعك متقدر بـ 80 مليون جنيه كاش، معفيين من أي ضرايب أو مديونيات. والمفتاح ده، لخزنة سرية في البنك المركزي فيها دهب والدتك اللي كان شايلهولك عشان عارف إنك الوحيدة اللي بتعزي ريحتها."

​السكوت اللي نزل على المكتب المرة دي كان تقيل... تقيل أوي.

صوت أنفاس إيمان كان مسموع وهي بتحاول تستوعب الكارثة. الكنز اللي كانت فكراه في إيديها طلع فخ، واللي رمته بره البيت طلعت هي اللي كسبت كل حاجة، وبنضافه.

​فتحت الجواب بتاع أبويا وقريت أول سطر:

(لو إيمان طردتك واستخسرت فيكي قعدتك في البيت، سيبيها تشيل الليلة لوحدها... ولو حنت عليكي وشاركتك، اقسمي معاها كل حاجة. أنا سيبت الخيار ليها).

​قريت السطر، وبصيت لأختي.

كانت بتبصلي بنظرة كلها انكسار، النظرة اللي كانت مستنياها مني يوم ما وقفت على باب الصالة بتطردني. دموعها نزلت، وخطوتها اتهزت وهي بتقرب مني.

​"إحنا إخوات..." قالتها بصوت مهزوز، مقهور، "إنتِ مش هتسيبيني أتسجن صح؟ الفلوس دي كفاية تسدد ديون البنك ويفيض... إحنا نقسم..."

​قمت من مكاني، لميت ورقي في الشنطة بتاعتي بهدوء تام. نفس الهدوء اللي خرجت بيه من البيت.

​وقفت قدامها، بصيت في عينيها اللي مليانة رعب، وابتسمت نص ابتسامة وقولت بنفس النبرة اللي هي استخدمتها معايا:

"دلوقتي بقى نتعامل مع الواقع... الوصية واضحة. البيت ليكي، والديون ليكي... كفاية عليكي كده."

​لفيت ضهري، وخرجت من المكتب، وسبتها تصرخ

وتنهار ورايا، والمرة دي... أنا اللي كنت ماسكة مفاتيح حياتي في إيدي، وكأني كسبت أعظم جايزة.

تم نسخ الرابط